وجبة غداء مع عالم تشيف 1\3

جان مخول مع جائزة تحليل الإشارات والكلام التي حصل عليها في عام 2009 – المصدر: BBN Technologies site

 

قبل سفري لبوسطن للعمل في شركة بي بي إن تحدثت مع إثنين من زملائي في الجامعة وهما محمد فاورق من مصر وزياد البواب من لبنان، واللذان سبق للأول منهما العمل في الشركة وللثاني منهما التدرب الصيفي فيها، وذكرت لكل واحد منهما أني وقعت عقد التدرب الصيفي مع الشركة وأني سأبدأ العمل هناك مع بداية الصيف. فكان مما اشتركا به أثناء إسدائهما لنصائحهما لي هو الالتقاء بموظف هناك واسمه جان مخول.

فسألتهما من هو جان مخول؟ فقال كل واحد منهما أنه من لبنان وعالم في مجال تحليل الكلام Speech Processing، وأنه من الموظفين القدماء في الشركة. فقلت خيراً إن شاء الله.

عندما بدأت العمل في الشركة لم أسعَ للالتقاء به وتريثت قليلا حتى استقرت أموري في العمل، وعندها قررت الالتقاء بجان مخول، فاطلعت على دليل موظفي الشركة ووجدت اسمه وعرفت موقع مكتبه. وذهبت لزيارته في مكتبه والذي يقع في مبنى آخر بعيدا عن مكتبي، ولكني لم أجده، وتكرر هذا الأمر أكثر من مرة، وفي كل مرة يكون هو إما في اجتماع أو في مكان آخر من الشركة. وبين محاولات اللقاء به سمعت عنه من موظفين آخرين في الشركة. فتبين لي أنه يحمل لقب Chief Scientist بمعنى عالم قائد.

والحصول على هذا اللقب أمر في غاية الصعوبة ومن النادر أن يحصل أحد على هذا اللقب، إذ أنه مرت أكثر من عشر سنوات عندما حصل آخر موظف على هذا اللقب وذلك لما يتطلبه الحصول على هذا اللقب من أبحاث ونشاطات وتزكيات من داخل وخارج الشركة واجتماعات المسؤولين الكبار في الشركة لمنح المرشح هذا اللقب. ومما رأيت من تعامل الموظفين مع هؤلاء العلماء، فإن مكانة حامل هذا اللقب بالنسبة للشركة تفوق مكانة لقب الأستاذ (البروفوسور) بالنسبة للجامعة. ويكفي لمعرفة علو مكانة صاحب هذا اللقب أنه من بين موظفي الشركة والذي يتجاوز عددهم 700 موظف لا يوجد إلا خمسة موظفين فقط ممن يحملون هذا اللقب، مما يعطي جان مخول مكانة عالية جدا في الشركة.

مما عرفته عنه أيضا أنه فاز بجائزة تحليل الإشارات والكلام من جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات IEEE وذلك “لإسهاماته الريادية في نمذجة الأصوات”. وتعد هذه الجائزة أعلى جوائز الجمعية في مجال تحليل الكلام، وتسلم في مؤتمر الجمعية الدولي السنوي لتحليل السمعيات والكلام والإشارات ICASSP، ولأهمية الحدث أرسل مدير الشركة إيميلا لكافة موظفي الشركة بهذا الخصوص يهنئ فيه جان مخول على حصوله على الجائزة.

فزاد هذا الأمر من حرصي على الالتقاء به …

وزرته بعدها في مكتبه فوجدته. فسلمت عليه وعرف مباشرة أني عربي وسلم علي بالعربية، وبعد ثواني من التحدث معه عرف من لهجتي أنني سعودي. ورغم مكانة الرجل في الشركة وفي مجتمعه العلمي ورغم أنه بسن والدي، إلا أنه كان في غاية التواضع فقد وقف ورحب بي وسألني عن عملي وذكرت له أني هنا خلال فترة الصيف، فأثنى على ذلك وأبدى سروره. بعدها باركت له حصوله على الجائزة …. ثم أسعدني بدعوتي لطعام الغداء وذكر أنه يعرف مطعم لبناني قريب ممتاز، وسجل الموعد في جهازه، واعتذر عن مواصلة الحديث لارتباطه بعمل خارج الشركة، فشكرته وانصرفت.

أثناء حديثي معه لمحت كثرة الأوراق التي علقها على جدار مكتبه، ومن بين هذه الأوراق المعلقة لمحت ورقتين لا لشيء إلا لأنهما كتبتا باللغة العربية. أما الأولى فكتب عليها عبارة التهنئة المشهورة “كل عام وأنتم بخير”، والتي عرفت فيما بعد أن المسلمين وغيرهم في لبنان يستخدمونها للتهنئة. أما الورقة الثانية المعلقة فكانت مقولة اقتبسها من آية قرآنية كريمة تتردد على ألسنة الناس كمضرب المثل وهي قول الله تعالى {إن الله مع الصابرين}، ولكن الدكتور مخول أضاف على كلمات المثل كلمتين أخريين لتأكيد معنى الآية وهما “إذا صبروا”، فأصبحت العبارة “إن الله مع الصابرين إذا صبروا”.

أتحدث في اليوميتين القادمتين عما دار بيننا من حديث أثناء وجبة الغداء مع العالم التشيف، في اليومية الأولى أركز على جوانب من حياته الشخصية والجامعية، وفي الثانية أركز على جوانب من حياته المهنية والعلمية.

اليومية القادمة: وجبة غداء مع عالم تشيف 2\3

تعليق واحد على

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *