وتبقى الصلة بعد التخرج

تحرص الجامعات الأمريكية على عدم انقطاع الصلة بينها وبين طلبتها الذين تخرجوا منها وذلك عن طريق توفير خدمات للذين تخرجوا من جامعاتها، وتتمحور هذه الخدمات حول بناء علاقات بين الطلبة السابقين أنفسهم من جهة وبينهم وبين الجامعة من جهة أخرى. هذه العلاقات تتيح للطلبة المتخرجين الاستفادة من بعضهم البعض في سوق العمل، وتفيد كذلك الطلبة الذين على وشك التخرج للحصول على وظيفة مناسبة لهم من خلال تواصلهم مع من سبقهم من الطلبة، كما أن الجامعة تستفيد من إبقاء علاقتها مع طلبتها السابقين من خلال التبرعات المادية أو العينية التي يقدمونها للجامعة أو من خلال الجانب الدعائي للجامعة إذا أصبح أحدهم من المشهورين إعلامياً أو سياسياً أو من البارزين في مجال تخصصهم.

أما عن كيفية بناء هذه العلاقات والمحافظة عليها، فتكون عن طريق إقامة الاحتفالات السنوية في مقر الجامعة والتي يدعى لها الخريجون، أو من خلال تنظيم المناسبات الاجتماعية في عدد من المدن المختلفة. ولأن بوسطن من المدن الكبيرة في الولايات المتحدة فإن جامعة كارنيجي ميلون تقيم فيها بشكل مستمر مناسبات اجتماعية لطلبتها السابقين، خاصة وأن بوسطن تحتضن الكثير من الشركات العاملة في مجال الأبحاث العلمية والتطبيقية إضافة لشركات أخرى تعمل في المجالات التقنية.

وقد حضرت أثناء فترة عملي في شركة بي بي إن مناسبتين اجتماعيتين، الأولى أقيمت في منزل أحد الخريجين والمطل على البحر، والملفت أن هذا الخريج تخرج من الجامعة قبل أن يولد غالب الحضور، إذ تخرج عام 1954م، وتخيلوا أنه ما زال لديه شعور الانتماء للجامعة. شخص آخر رأيته ذلك اليوم تخرج من الجامعة عام 1959م وهو عضو في مجلس أمناء فرع جامعة كارنيجي ميلون في قطر، أو شيء قريباً من ذلك (إذ لا أذكر)، وكان يلبس قميصاً مكتوب عليه اسم فرع الجامعة في قطر إضافة إلى عبارة مكتوبة باللغة العربية وهي “بالعمل ينبض قلبي”، وهي مقولة كان يقولها مؤسس الجامعة الأصلية في مدينة بتسبرغ رجل الأعمال أندرو كارنيجي، والمقولة باللغة الإنجليزية هي “My Heart is in the Work”.

أما المناسبة الثانية فقد كانت مخصصة لخريجي قسم هندسة الكهرباء والحاسب وخريجي كلية علوم الحاسب، وقد أقيمت هذه المناسبة في الدور العلوي في متحف العلوم في بوسطن، وذلك في قاعة تطل على منظر جميل وخلاب، إذ كنا نرى معالم مدينتي بوسطن وكامبريدج ونهر تشارلز الذي يفصل بينهما. وهي نفس القاعة التي أقيمت فيه نفس المناسبة في العام الذي قبله، والتي حضرتها كذلك عندما كنت أعمل في شركة سيسكو على بعد ساعة شمال بوسطن.

وقد حضر معي لهذه المناسبة في متحف العلوم أخي ناصر والذي كان يزورني، إضافة إلى زميلي في القسم زياد البواب من لبنان والذي كان يعمل في الصيف في مركز الأبحاث التابع لشركة ميتسوبيشي وزميلنا السابق في القسم عمار السيد من السودان والذي يعمل في شركة ماث وركز [1]. كما كان من بين الحضور مشرفي على بحث الدكتوراة جوزيه مورا الأستاذ في قسم هندسة الكهرباء والحاسب وزوجته مانويلا فيلوسو الأستاذة في كلية علوم الحاسب. وقد تحدث جوزيه في الاجتماع عن الجامعة وعن علاقاتها بمؤسسات وجامعات في بلدان أخرى مثل قطر واليونان والبرتغال واليابان. هذا التوسع من الجامعة في علاقاتها خارج الولايات المتحدة على الرغم من أنها أكثر تميزاً من الناحية العلمية والبحثية من المؤسسات والجامعات في تلك الدول يبرز أهمية ألا تعزل جامعة نفسها عن باقي العالم خاصة وإن كانت تعقد العلاقات مع من هو أكثر تميزاً منها.

ثم تحدثت بعده زوجته مانويلا وكان حديثها عن أمرين، الأول عن مبنى مركز جيتس (نسبة لبيل جيتس وزوجته ميلندا) الذي يبنى حالياً في الجامعة [2] وذلك لأنها أحد المشرفين على المشروع، وسبب تسمية المبنى على جيتس (مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة مايكروسوفت) راجع لسبب بسيط وهو أن مؤسسته هو وزوجته الخيرية تبرعت بمبلغ 20 مليون دولار لبناء المبنى. وتجدر الإشارة إلى أن تبرع الأثرياء ورجال الأعمال الأمريكيين بمبالغ ضخمة جداً على هذا النحو أمر طبيعي، إذ خلال فترة تواجدي في الولايات المتحدة سمعت عن ثلاث حالات مماثلة في جامعات مختلفة، أحدها في جامعتي إذ تبرع رجل الأعمال ديفيد تيببر بمبلغ 55 مليون دولار لكلية إدارة الأعمال شريطة أن تسمية الكلية باسمه، وقد حثه على التبرع أستاذه السابق بالكلية والذي أصبح عميدها فيما بعد بهذا التبرع [3]. كما أني قرأت في خبر أن الأمريكيين أكثر تبرعاً بأموالهم من الأوروبين، وسمعت أنهم لا ينظرون بكثير من التقدير لأصحاب الثروات إذا كان مصدر ثروتهم ما ورثوه عن والديهم، وذلك لأنهم يعززون من قيمة استقلال الفرد وبناء نفسه بنفسه، بما في ذلك أن يحصل على ثروته بنفسه، ومثال واضح لذلك هو حرص الفتى أو الفتاة حال تخرجه من المدرسة على السكن وحده خارج بيت والديه. قد يستغرب المرء العربي هذه الاستقلالية لدى الأمريكيين في بعض الأحيان، إذ نحن نعزز من أهمية الترابط بين أفراد الأسرة، والابن فضلاً عن البنت يستمر في السكن مع والديه إلى أن يتزوج أو يغادر مدينة والديه للدراسة أو العمل، هذا إذا لم يستمر في السكن مع والديه بعد زواجه. ولست هنا أفضل قيم الأمريكيين على قيم العرب، إنما أقارن بينهم فحسب، وأعتقد أن خير الأمور الوسط بحيث لا نغلب قيمة على أخرى فتطغى عليها.

أما الأمر الثاني الذي تحدثت عنه مانويلا فهو عن إنجازات فريق جامعة كارنيجي ميلون في بطولات كأس العالم لكرة القدم للروبوت. فما هي هذه البطولة؟ وما قصة جامعتي معها؟ سيكون هذا حديثنا في اليومية القادمة ..

[1] سبق الحديث عن شركة ماث وركز في يومية فنادق الإمارات وشركة MathWorks.
[2] تم افتتاح المبنى لاحقاً بتاريخ 22/9/2009م.
[3] بعد انتهائي من الدراسة وعودتي لجامعة الملك سعود قام رجل أعمال آخر بالتبرع لجامعة كارنيجي ميلون بمبلغ فلكي وذلك في شهر سبتمبر من عام 2011م، حيث قام بيل ديتريتش بالتبرع بملبغ 265 مليون دولار للجامعة! ويعد هذا أكبر تبرع حصلت عليه الجامعة في تاريخها ومن أكبر عشر تبرعات قام به فرد لجامعة أمريكية خاصة. وقد قامت الجامعة كتقدير له بتسمية كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية باسم والدته. ثم قام ديتريتش في نفس الشهر من ذلك العام بالتبرع بمبلغ 125 مليون دولار لجامعة بتسبرغ، وتقديراً لذلك قامت الجامعة بتسمية كلية الآداب والعلوم باسم والده. وبعدها قام بالتبرع بعدد من الملايين لعدة جامعات ومؤسسات في مدينة بتسبرغ بلغ مجموع تبرعاته 85.6 مليون دولار ودفعت لإحدى عشر جامعة ومؤسسة. الملفت في الأمر أن المتبرع توفي بعد أقل من شهر من تبرعه الأول. وقد بلغ مجموع تبرعاته قرابة النصف مليار دولار وبهذا يكون مثالاً نادراً لرجال أعمال سخي وبار بوالديه يجدر بكثير من رجال الأعمال في المنطقة العربية أن يحذوا حذوه.

 

اليومية القادمة: طلاب جامعة كارنيجي ميلون .. أبطال العالم!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *